الشيخ البهائي العاملي

131

العروة الوثقي في تفسير سورة الحمد ( ويليه الرحلة لوالد الشيخ البهائي )

الهدية في وجه المهدي لها كسرا عظيما لخاطره ، فلا يصدر عن الكريم . ومنها : انطباق الكلام في هذه السورة الكريمة على قانون السلوك والسير إلى الحقّ سبحانه ، وجريانه على وفق حال السالك من مبادئ سيره إلى حين وصوله من اشتغاله بالذكر والفكر والتأمّل في أسمائه والنظر في آلائه والاستدلال بصنائعه على عظم « 1 » شأنه وباهر سلطانه ، ثمّ لا يزال على ذلك ، حتّى تلوح له بروق الظهور ، وتبدو له تباشير عزّ الحضور ، وتؤدّيه رياضة المجاهدة إلى روضة المشاهدة ، فيخوض حينئذ لجّة الوصول ، وتحترق حجب الغيبة بأنوار الشهود . رزقنا الله - سبحانه - وسائر الأحباب ذلك بمنّه وكرمه . فقد تضمّنت هذه السورة شرح آداب السير إلى ذلك الباب ، وتعليم قانون العروج إلى تلك الأعتاب ، والإرشاد إلى ما هو ثمرة ذلك السير ونتيجته من المقامات العزيزة المنال ، والغايات التي لا يكشف عنها المقال ؛ ولعلّ ذلك هو المقتضي لوجوب قراءتها في الصلاة التي هي معراج العبد . ومنها : أنّ الحمد لمّا كان عبارة عن إظهار صفات الكمال ، والنداء على الجميل - كما قاله صاحب الكشّاف « 2 » وغيره « 3 » - يكون المخاطب به غيره تعالى ؛ إذ لا معنى لإظهار صفاته العليا عليه - جلّ شأنه - ، فالمناسب له طريق الغيبة . وأمّا العبادة : فهي أمر بين العبد وربّه ، فلا وجه لإظهارها على الأغيار ، بل ينبغي كتمانها عمّا عدى المعبود ، وعدم إظهارها لأحد سواه ؛ فالأنسب بها طريق الخطاب . ومنها : التلويح بما ورد في الحديث : « اعبد الله كأنّك تراه » « 4 » ؛ ففي هذا الالتفات إشعار بأنّ العبادة السالمة عن القصور هي التي يكون العابد حال الاشتغال بها

--> ( 1 ) . في « ع » و « ش » : « عظيم » . ( 2 ) . « الكشّاف » ج 1 ، ص 46 . ( 3 ) . كما في « أنوار التنزيل » للبيضاوي ، ج 1 ، ص 9 . ( 4 ) . « حلية الأولياء » ج 6 ، ص 115 ؛ « مجمع الزوائد » ج 2 ، ص 40 ؛ « الترغيب والترهيب » ج 1 ، ص 268 ، ح 5 ؛ « كنز العمّال » ج 3 ، ص 21 ، ح 5250 و 5251 .